الشيخ محمد رشيد رضا

119

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ في هذا النداء ضرب من الاستمالة للكفار الذين خوطبوا بالدعوة أولا بما يذكرهم بأنهم قوم الرسول الذين يحبهم ويحرص على خيرهم ومنفعتهم بباعث الفطرة والتربية والمنافع المشتركة وقد كانت النعرة القومية عند العرب أقوى منها عند المعروف حالهم اليوم من سائر الأمم فكان نداؤهم بقوله « يا قومي » جديرا بأن يحرك هذه العاطفة في قلوبهم فتحمل المستعد على الاصغاء لما يقول والتأمل فيه ، وقد أمر اللّه تعالى رسوله بمثل هذا في آخر سورة هود وأواسط سورة الزمر وحكى مثله عن شعيب عليهما السّلام . والمكانة في اللغة حسية وهي المكان الذي يتبوأه الانسان ومعنوية وهي الحال النفسية أو الاجتماعية التي يكون فيها . والمعنى اعملوا على مكانتكم وشاكلتكم التي أنتم عليها ، اني عامل على مكانتي وشاكلتي التي هداني ربي إليها وأقامني فيها ، فسوف تعلمون بعد حين من تكون له العاقبة الحسنى في هذه الدار بتأثير عمله . نبههم بذلك إلى الاستدلال العلمي الاجتماعي في ترتب أحوال الأمم على أعمالها المنبعثة على عقائدها وصفاتها النفسية ليستدلوا به ، ثم صرح لهم بما يرشدهم إلى تلك العاقبة كما سنفصله . وقال الزمخشري في الكشاف : المكانة تكون مصدرا يقال مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن وبمعنى المكان يقال مكان ومكانة ومقام ومقامة . وقوله ( اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ) يحتمل اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها ، يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حاله : على مكانتك يا فلان : أي أثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه ( إِنِّي عامِلٌ ) على مكانتي التي أنا عليها . والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم فاني ثابت على الاسلام وعلى مصابرتكم ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) أينا تكون له العاقبة المحمودة . وطريقة هذا الأمر طريقة قوله ( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ) وهي التخلية والتسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر فكأنه مأمور به وهو واجب عليه حتم ليس له أن يتفصى عنه ويعمل بخلافه اه وقد أشار فيه إلى ترجيح كون قوله تعالى ( مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ ) استفهام كقوله ( لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى ) الخ ثم بينه وذكر فيه وجها آخر وهو أن « مَنْ » بمعنى الذي أي فسوف تعرفون الفريق الذي تكون له العاقبة الحسنى التي خلق اللّه هذه الدار ( الدنيا ) لها . قال : وهذا طريق من الانذار لطيف المسلك